لو أخبرتكَ أني أتناول القهوة بدون سكر فقد تظنني مزجانجي لا يشرب القهوة بل يحتسيها، ويستمع إلى فيروز ويعشق الأمطارَ والأجواءَ الشتوية.
ولكن إن أخبرتك أني أشرب الشاي أيضا بدون سكر فستعلم أنها مشكلة فتور في العلاقة بيني وبين المسحوق الأبيض، ومن الممكن أن أحدثك عن أسباب هذا الفتور في مقال لاحق ولكن دعنا نتجول في هذا المقال في عقلك الباطن وكيف سيستقبل هذه المعلومة وخاصة إن كنت من محبي السكر الزيادة في المشروبات.
في البداية قد تحاول تخيل مذاق الشاي بدون سكر ويمتعض وجهك لا إرادياً وتظن أن لساني قد أصيبت حلمات تذوقه بالتبلد لتبتلع هذه المرارة أكثر من مرة في اليوم.
ولكن دعني أخبرك بأن حاسة التذوق عندي أصبحت أكثر حساسية من ذي قبل، لدرجة أني أكتشف دائماً أن أمي عندما تصنع لي الشاي تضع ربع ملعقة من السكر شفقة عليّ من هذا المذاق شديد المرارة -خاصة أني لا أعاني مشاكل صحية تضطرني لذلك- وعندما أكشفها في كل مرة كنت أحدثها ضاحكاً #مش هيكون أمرّ من اللي احنا عايشينه يا حاجة# ، ويبدو أن هذا السبب مقنع لدرجة أن أمي أصبحت تشرب الشاي بدون سكر هي الأخرى.
السؤال الآن: كيف فعلت ذلك؟
كنت منذ ثلاث سنوات أشرب الشاي كأكثرية المصريين بثلاث ملاعق من السكر (سكر زيادة) وعندما قررت أن أمنع تناول السكر بدأت بتناول الشاي بملعقتين ونصف من السكر لمدة أسبوع حتى اعتاد لساني على الطعم الجديد للشاي، ثم قللت للملعقتين لمدة أسبوعين، ثم للملعقة والنصف لمدة ثلاث أسابيع، وهكذا للملعقة وللنصف وللربع وللثمن، أخذت أقلل المقدار وأزيد مدة التأقلم.
وظللت أضح حبيبات معدودة من السكر لمدة شهرين كاملين حتى امتنعت تماماً عن وضع السكر، واستمر هذا لعدة سنوات، ولا أظن أنه سيتغير أبداً.
السؤال الأهم: ما العبرة من هذه القصة؟
بالتأكيد لم أقصد بسرد هذه القصة أنا أطلعك على ما دار بيني وبين أمي لأن #دا Disrespect#، ولكني أجد بهذه القصة عدة دروس يمكن الاستفادة منها لتحقيق أي هدف كبير في حياتك.
الدرس الأول: لا شيء يتحقق بسهولة
لا شك أن ثورة التكنولوجيا والانترنت أفادت البشرية بشكل واسع، ولكنها في ذات الوقت صنعت جيلا لا يدرك قيمة الوقت ويستسهل ما يريده من أهداف، ويظن أن تحقيق التفوق الدراسي أو الوظيفي قد يكون بنفس سهولة طلب ربع جبنة رومي بطارخ من تطبيق Breadfast لتصلك أسرع مما لو ارتديت ملابسك وذهبت لتحضرها من المحل الذي يبعد عن بيتك مائة متر فقط.
فبالرغم من أن المعلومات ومصادر التعلم أصبحت الآن متاحة للجميع، إلا أن الجميع ليسو مستعدين لاستغلال هذه الفرصة الذهبية التي لم يحظَ بها أسلافهم. وأنا أضمن لكَ أن القليل فقط من الاجتهاد والسعي قد يجعلك تسبق كل أقرنائك ممن يبددون أغلب أوقاتهم بين وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الترفيه والألعاب.
ودعنى هنا أعطيك مثالاً واقعياً.
هل تعلم أنك لو قللت الوقت الذي تقضيه على تطبيقات التواصل الاجتماعي وبالتحديد تطبيق Facebook لساعة واحدة يومية (وهذا كثير بالمناسبة)، ستكون بذلك قد تفوقت على كل أقرنائك بساعة ونصف في اليوم (45 ساعة في الشهر – 550 ساعة في السنة) يمكنك فيها تطوير مهاراتك الحالية أو تعلم مهارات جديدة.
“طبقاً لآخر إحصائية فإن متوسط الاستهلاك اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي بين البالغين هو ساعتان ونصف تقريباً”
ولكن هل تظن هذا سهلاً؟ بالطبع لا فهذه التطبيقات صممت بحرفية شديدة لتجرك دون أن تدري في متاهات ال News feed لأطول وقت ممكن لتحقق من وجودك أكبر مكاسب مادية.
ومن الممكن أن أدوّن لاحقاً عن الطريقة التي اتبعتها للتعافي من إدمان ال Facebook حتى قللت استهلاكي اليومي إلى 45 دقيقة فقط. ولكن لا تنتظر المقال فقد لا يأتي وتذكر قاعدة (الشاي بدون سكر).
الدرس الثاني: لا شيء يتحقق بسرعة
هل تعلم لماذا Amazon هي أكبر منصة للتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية في العالم؟
ليس لأنه الأول فقد سبقه البعض وليس لأنه الأوحد فقد لحقه الكثير والكثير، ولكن لأن المؤسس الدءوب Jeff Bezos عمل دون كلل ولا ملل على تطوير شركته لمدة ثلاثين عاماً منذ انطلاقها في عام 1994، هل تعلم معنى ثلاثين عاماً؟ أي أنه منذ أحد عشر ألف يوماً (11,000 يوم) يستيقظ من نومه ليعمل على نفس الهدف دون توقف.
لذلك استطاع تكوين شركة عملاقة تتخطى قيمتها ال 1,600,000,000,000 دولار (لا تحاول عد الأصفار) وأصبح ثالث أغنى رجل في العالم.
طبعاً لا يمكن اختزال قصة نجاح أمازون بهذه الكلمات، ولذلك أنصحك بالاطلاع على مزيد من تفاصيل هذه الرحلة في كتاب The everything store.
أو لننظر إلى سيرة أحد الراحلين المصريين العظماء الحاج محمود العربي لتجد أن تأسيس امبراطورية العربي استغرق ما يقرب الستين عاماً لتصل إلى ما هي عليه الآن. ويمكنك أيضاً الاطلاع على تفاصيل هذه الرحلة في كتاب سر حياتي – حكاية العربي.
فهل لديك الإصرار وطول النفس الذي سيجعلك تقضي عمرك كاملاً في تحقيق شيء كبير؟
الإجابة في الأغلب لا، وهذا أيضاً بسبب التأثير المدمر لتطبيقات التواصل الاجتماعي على مهاراتك العقلية وقدرتك على التركيز لفترة طويلة، فقد صممت “وتم تعديلها مؤخراً” لتعطيك جرعات كبيرة جداً من المحفزات القصيرة جداً Bite-sized content مثل (Reels – Stories – Short posts) وهذا يجعل عقلك يعتاد الإشباع اللحظي ولا يفضل الانتظار لتحقيق نتائج كبيرة بل ويفقد قدرته أصلاً على التركيز لفترات طويلة.
أذكرك مجدداً بأني استطعت الامتناع تماماً عن تناول السكر بعد عدة أشهر وليست أيام أو أسابيع فتحقيق الأشياء الكبيرة يستغرق وقتاً كبيراً وعليك الاستعداد لذلك.
الدرس الثالث: كلما اقتربت من هدفك بقت أصعب (بصوت مدحت ياسين)
عند وضع هدف كبير والعمل عليه ستجد نفسك تحصد بعض النتائج السريعة Quick wins، هذه النتائج ستحمسك في البداية لتكمل ما بدأته، ولكن اياك أن تظن أن هذه النجاحات السريعة ستستمر، لأن هذا سيصيبك بالإحباط عندما تبدأ الأمور في التعقيد وتبدأ النتائج في التأخر.
أذكرك أيضاً أني استغرقت أسبوعاً فقط في تقليل السكر من ثلاث ملاعق إلى ملعقتين ونصف، في حين أخذ مني الأمر شهرين كاملين للتخلص من بضع حبات من السكر كنت أضعها لتكسر طعم الشاي المرير.
الدرس الرابع: تجزئة الأهداف هو أفضل سبيل لتحقيقها
أذكر أني قابلت أحد أصدقائي منذ فترة وجيزة وأخبرني أنه أيضا توقف عن تناول السكر ولكن بشكل مفاجيء، شجعته على القرار وتمنيت أن يستطيع الصمود وأنا أعلم أنه لن يفعل، ودعني أخبرك لماذا.
هل تذكر كم مرة نظرت إلى كرشك في المرءاة واتخذت قراراً بأنك ستقوم بعمل نظام غذائي صارم وتمارس الرياضة بشكل كثيف حتى تتخلص من هذا الشيء الذي مازال يرافقك حتى الآن بعد كل هذه المحاولات البائسة؟
هل تعلم لماذا تفشل دائما في التخلص منه حتى أصبحت تستئنس بوجوده وتبتكر له استخدامات عديدة؟
لأنك تريد أن تنجز هذا الهدف المستعصي مرة واحدة، استهانة منك بهذا الشيء المستدير الذي ينتصر عليك في كل مرة، ومازلت تظن أنك قادرٌ على هزيمته بال K.O (القاضية ممكن).
وأيضا في ذلك عدم تقدير لنقاط ضعفك التي تنهار كل مرة أمام صينية المكرونة بالبشاميل فتتبعها بطاجن النوتيلا وتقول في قرارة نفسك (مهي كدا كدا باظت) لتعود إلى نقطة الصفر وتعاود الكرة في المرة التالية التي تنظر فيها إلى المرءآة.
هل تريد حقاً التخلص منه؟ اتبع نظاماً عذائياً معتدلاً بدون حرمان ومارس الرياضة بشكل بسيط بدون مشقة لمدة سنة إلى سنتين (تختلف المدة حسب مقدار استدارة خط الوسط لديك) ستجد أنك تخسر كل شهر كيلو أو أقل من وزنك ولكن بدون حرمان شديد مما لذ وطاب، وبدون عناء ممارسة الرياضة لساعات طويلة (يكفي المشي لمدة ربع ساعة يومياً أو نط الحبل لمدة خمس دقائق فقط).
ستحقق إنجازات صغيرة للغاية (فقدان 750-1000 جرام من الوزن في كل شهر) ولكنها مستمرة، ولن تجد أي مشقة في الالتزام بذلك النظام اليسير لمدة سنة أو سنتين، وستحقق ذات الهدف في النهاية (فقدان 10-15 كيلو من وزنك).
ولكن السؤال الآن: ماذا بعد مرور السنتين؟ هذا هو الدرس القادم.
الدرس الخامس: ما يأتي سريعاً يزول وما يأتي تدريجياً يدوم
دعنا نزعم أن شرب الشاي بدون سكر هو قمة النجاح وأن شرب الشاي بثلاث ملاعق من السكر هو قمة الفشل.
إذا نجحت في الوصول سريعاً لقمة النجاح والتوقف فجأة عن وضع السكر في الشاي، فستعود سريعاً لقمة الفشل (السكر الزيادة) لأن هذه الخطوة التي تسبق قمة النجاح مباشرة، فبحدوث أي انتكاسة تجد نفسك تعود لنقطة الصفر.
أما إذا حققت ذات الهدف على مراحل، فستجد نفسك في كل مرة تنتكس، تعود لنقطة كنت تعدها في السابق إنجازاً.
فمثلاً إذا فشلت في شرب الشاي بدون سكر ستعود لوضع نصف ملعقة فقط من السكر وهذا في حد ذاته نجاح كبير مقارنة بنقطة البداية (السكر الزيادة)، بل وستجد نفسك تسعى مجدداً لتحقيق إنجاز أعلى لأنك تعودت على التقدم للأمام.
والأهم أنك في هذه النقطة ستكون محصناً تماماً من متلازمة ال (مهي كدا كدا باظت) لأن التقدم بخطوات صغيرة يضع بينك وبين الفشل طبقات حصينة.
نفس الفكرة تنطبق على فقدان الوزن السريع وفقدان الوزن التدريجي وأي هدف آخر تسعى لتحقيقه.
ولكن ماذا لو اتبعت نصائحي لمدة سنتين ولم تتخلص من الكرش؟
طب متجرب يا أخي، انت غرمان حاجة؟ انت عندك حاجة تخسرها؟ انت خسران كل حاجة
الدرس السادس: التغييرات الصغيرة تصنع فارقاً كبيراً
أذكر دهشة أصدقائي دائماً عندما نجلس على القهوة فأطلب الشاب بدون سكر وألتهم معه طاجن النوتيلا بشراهة شديدة، ولكن ما يغفله أصدقائي أن تأثير ملعقة واحدة من السكر أكبر بكثير من تأثير طاجن النوتيلات ولو أضفنا إليها اكسترا كاراميل، ودعني أفسر لك أسباب هذا.
السبب الأول أن طاجن النوتيلا هو جرعة عالية جداً من السعرات الحرارية قد تعادل عشرين ملعقة من السكر ولكنك تتناولها جرعة واحدة، وهذا يفوق قدرة جهازك الهضمي على الامتصاص وبالتالي سيمتص منها جزء ويخرج الجزء الآخر أثناء عمل ال Number 1 & number 2.
ولكن إن كنت تتناول المشروبات الساخنة 5 مرات في اليوم وتضع ملعقتين فقط من السكر، فالمحصلة هي 10 ملاعق من السكر سيمتصها جسمك كاملة #وعلى أقل من مهله# لأنها تدخل جهازك الهضمي على فترات متباعدة وبجرعات صغيرة.
والسبب الثاني أنك تتناول ال 5 أكواب من المشروبات كل يوم، عكس الحلويات التي تتناولها على فترات متباعدة (إن كنت تلتهم طاجن النوتيلا كل يوم فدعك من هذا الهراء الذي أكتبه واذهب إلى Etoile حالاً).
وبالتالي يصبح تأثير ملعقة السكر التي تضعها في الشاي أو القهوة أكبر بكثير من تأثير تناول الحلويات من حين للآخر.
فلا تبدأ دائماً بالبحث عن أشياء كبيرة ينبغي عليك فعلها لتصل إلى هدفك بسرعة، وفكر أولاً في الأشياء الصغيرة التي تستطيع تغييرها بسهولة ومع الوقت ستحدث أثراً كبيراً (تأثير الفراشة).
(اكلَفوا منَ العمَلِ ما تطيقونَ فإنَّ اللَّهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا، وإنَّ أحبَّ العملِ إلى اللَّهِ أدومُهُ وإن قلَّ، وَكانَ إذا عمِلَ عملًا أثبتَه)
رواه أبو داود عن النبي ﷺ
الدرس السابع: ابدأ بالاستراتيجية وستأتي الخطة لاحقاً
حين قررت الامتناع عن تناول السكر، كانت استراتيجيتي هي تقليل السكر تدريجياً، ثم انطلقت مسرعا في هذا الاتجاه.
لو حاولت أن أضح خطة محكمة ومدىً زمنياً واضحاً لتنفيذ هذا الهدف قبل أن ابدأ، لأضعت عمري في دراسة خصائص حلمات التذوق وتأثير انخفاض السكر على صحة الإنسان ومزاجه وانفعالاته، ولما خطوت خطوة واحدة تجاه تحقيق هذا الهدف.
وهذا خطأ نقع فيه دائماً حين نبالغ في التخطيط لكل شيء، وننتظر كل الأمور لتكون مثالية وكل الخطوات لتكون مرسومة بشكل دقيق، وينتهي بنا الأمر بدون اتخاذ أي خطوة فعلية.
ولكن التحرك بدون استراتيجية أيضاً لن يؤدي لأي نتيجة، لذلك يجب عليك قبل أن تبدأ أن تفكر فقط في الخطوط العريضة التي تؤدي بك لتحقيق هدفك، دون التطرق للتفاصيل الصغيرة التي ستتغير لا شك مهما حاولت أن تكون دقيقاً في التخطيط لها.
Done is better than perfect.
Sheryl Sandberg
الدرس الأخير: بدون هدف لن يمكنك الاستمرار
سأكشف لك الآن السبب الذي أخفيته عنك من بداية المقال وهو لماذا أمتنع أصلاً عن تناول السكر؟
دعني أخبرك القليل عني لتفهم دافعي لذلك، أنا شخص كثير العمل قليل الحركة أعمل طيلة أيام الأسبوع لساعات طويلة جداً ولكن من المنزل، وهذا يجعل الذهاب إلى الحمام أو الخروج إلى الشرفة هو أقصى مسافة أسيرها على قدمي، فأغلب الوقت تتحرك فقط أصابعي ومقلتا عيني ومفاصل ذراعيَّ على أقصى تقدير. (للأمانة تغير هذا كثيراً بعد إنجاب طفلي الأول تميم ^_^)
ولأحافظ على وزني من الزيادة لم يكن باستطاعتي المداومة على ممارسة الرياضة لأني لا أملك دائماً الوقت لذلك، واضطررت للخيار الأصعب وهو تقليل ما أتناول من السعرات الحرارية.
فبدأت باستبدال جزء من النشويات التي أتناولها يومياً ببعض الخضراوات (طبق سلطة أساسي على وجبة الغداء) والاستغناء تماماً عن السكر واستبداله بالفواكه.
فالتوقف عن تناول السكر في حذ ذاته لم يكن الغاية، ولكنه وسيلة لغاية أهم وهي الحفاظ على وزني من الزيادة وصحتي من التدهور.
وهكذا أي طريق طويل ستسير فيه، لن تستطيع إكماله إن لم يكن هناك هدف واضح ومهم في آخر الطريق يدفعك دائما للسير، ويجعلك تتغلب على كل العقبات التي لا شك ستواجهك.
في الختام، أكتفي بهذا القدر من الدروس وأتمنى لك النجاح في تحقيق كل أهدافك.
ويشرفني أن تشترك في النشرة البريدية لتصلك مقالاتي المستقبلية إن كنت تراها مفيدة.



